الأجندات غير المعلنة لحرب المسيرات ضد اقليم كردستان
منذ بدء الحرب الامريكية الإسرائيلية على إيران، تعرض اقليم كردستان العراق الى هجمات بالطائرات المسيرة وبشكل يومي من قبل الفصائل الموالية لإيران في العراق. طالت هذه الهجمات قاعدة الحرير والقنصلية الامريكية في اربيل ومعسكرات المعارضين الايرانيين وتعدت الى ذلك لتشمل المصالح والمنشآت الحكومية في الاقليم بل تجاوزت لتشمل استهداف مقر رئيس الاقليم ومقرات البيشمركة وحتى المدنيين والمجمعات السكنية والمصالح الاقتصادية المحلية.
رغم اعلان هذه الفصائل أن الاستهداف المتكرر ضد اقليم كردستان يستهدف المصالح الامريكية والدعم اللوجستي للعمليات الامريكية او لاعتقادهم ان هنالك عمليات للموساد بحسب ادعاءاتهم، إلا أن هنالك ابعاداً أعمق تتعلق بالاقتصاد والنفوذ، والجغرافيا السياسية، ومن الأسباب الاقتصادية ان الاقليم كان بيئة خصبة للاستثمارات الاجنبية مقارنة بباقي مناطق العراق حيث قدمت كردستان كنموذج ناجح للاستقرار الأمني، الإعمار وجذب الاستثمارات الأجنبية مقارنة بالوضع المضطرب في وسط وجنوب العراق لذلك فان استهداف الإقليم هدفه إيصال رسائل بعدم استقراره أمنياً، مما يهدد بيئة الاستثمار والشركات الأجنبية العاملة في قطاع النفط والغاز هناك، وبالتالي محاولة إضعاف أربيل اقتصادياً وإيصال رسالة للمستثمرين الأجانب وللداخل بأن أربيل ليست آمنة، وبالنتيجة ضرب ميزتها التنافسية. اما احد اكبر الدوافع الاقتصادية لاستهداف الإقليم هو انه يمتلك احتياطيات هائلة من الغاز الطبيعي حيث هناك خطط ومفاوضات متقدمة لتطوير حقول الغاز في الإقليم (مثل حقل خورمور) لتصدير الغاز إلى تركيا ومنها إلى أوروبا، أو حتى لتغذية محطات الكهرباء في العراق كبديل للغاز الإيراني وبالتالي فان استهداف هذه المنشآت الغازية يهدف إلى تخويف الشركات الأجنبية المستثمرة ومن ثم إجهاض أي مشروع يجعل الإقليم أو العراق مستقلاً طاقياً عن إيران لآن بقاء العراق بحاجة للغاز الإيراني هو ورقة قوة جيوسياسية ومالية لطهران لا يمكن التفريط بها.
أما الدوافع السياسية فإن أبرزها محاولة إضعاف حكومة الإقليم لآن استهداف الاقليم يعمل كورقة ضغط سياسي على حكومته لثنيها عن اتخاذ مواقف سياسية معينة في بغداد او قرارات اقليمية مع الغرب تتعارض مع رغبات الإطار التنسيقي أو الفصائل بالاضافة الى الضغط الاستباقي على القوى الكردية للقبول بقرارات البرلمان والحكومة الاتحادية فيما يخص إخراج القوات الأجنبية أو قرارات استراتيجية اخرى، اضافة لذلك فهي محاولات للضغط على حكومة اربيل بعدم تغيير قواعد اللعبة السياسية في بغداد من خلال تغيير خرائط التحالفات محلياً حيث ان المستفيد الاكبر من قواعد اللعبة الحالية هي الفصائل والعمق الإيراني في العراق.
اما الدوافع الاخرى فتتمثل في الصراع على المناطق المتنازع عليها حيث ان هنالك شريط جغرافي استراتيجي غني بالنفط ويمتد من ربيعة ونينوى مروراً بكركوك وصولاً إلى ديالى حيث تسعى الفصائل إلى ترسيخ نفوذها العسكري والاقتصادي في هذه المناطق وتأمين خطوط إمدادها البرية التي تربط إيران بسوريا ولبنان لخلق حالة من عدم الاستقرار الدائم على حدود إقليم كردستان يمنع قوات البيشمركة من التمدد في هذه المناطق كي يستمر امتداد النفوذ الايراني الى لبنان واسرائيل، اضافة الى خلق ضغوطات أكبر على ملف قضاء سنجار المعقد حيث يمثل سنجار الممر الأكثر أماناً وحيوية لإيران والفصائل المسلحة لنقل المقاتلين والسلاح والإمدادات بين العراق وسوريا وصولاً إلى لبنان، وكون القضاء كان تحت سيطرة البيشمركة قبل عام 2017 فإن الفصائل تعتبر أي محاولة من أربيل لبسط نفوذها مجددا هناك تهديداً مباشراً قطع هذا الشريان الإقليمي.
ليست هذه المرة الاولى التي تستهدف بها الفصائل اقليم كردستان، فقد شهد الإقليم عدة محاولات لاستهدافه في عدة مناسبات عند وجود أزمات سياسية أو اقتصادية؛ وفي المحصلة لا يمكن قراءة رسائل المسيرات فوق سماء إقليم كردستان بمعزل عن خارطة المصالح المعقدة التي تحرك المنطقة فهي ليست مجرد استهداف لمصالح امريكية بقدر كونها أداة ضغط استراتيجية متعددة الأوجه هدفها تأمين مصالح هذه الفصائل أو مصالح ايران الاقليمية.